الثلاثاء , يناير 19 2021

(( أميرة الجن ))

 

 

 

اشتدت الريح في يوم شتوي عاصف 

لمع برق شق السماء 

وتبعه هزيم رعد 

هز أركان القرية الصغيرة

 

 

و هناك في منزل صغير 

وقف رجل عند نافذة غرفته المكسورة 

التي أوصدها ببعض الألواح

 كي لا يدخل ماء المطر

 

فهو رجل معدم 

يعاني من الفاقة والفقر

أربعون عاما و نيف 

هي سنين عمره التي أرهقها الدهر

وحيدا لا زوجة له عاش حياته 

لأجل حب ترعرع فيه منذ الصغر

 

 

وبدأ المطر في السقوط معلنا بداية الشتاء

  وقصب الرعود أشبه بالغناء

 عزف شجي يلامس خلجات الروح 

على أضواء بروق السماء

 

 

أنتعل حذائه الممزق

 وأدثر بمعطف قديم وخرج في العراء

فالمشي تحت المطر متعة الفقراء

ظلام أسدل السواد على تلك القرية في هذا المساء

 

 

ظل ماشيا والمطر يغسل جسده المنهك

 تأخذه قدماه التي تغوص في حفر من الماء

إلى أن وصل عند صخرة سوداء

فجلس عليها يستريح من العناء

 

 

 

أطال النظر في امتداد الظلام حوله

 فكأنه رأى خيال أنثى هناك عند شجرة ملساء

 

أمعن النظر جيدا

بالفعل هناك امرأة ما !

 

ما الذي أتى بها إلى هنا ؟

وماذا تفعل في هذا الليلة الماطرة؟

لم يشعر بالخوف أبدا فقرر أن يذهب إليها

 

 

وما أن وصل إليها أو كاد

حتى سمع صوت نحيب وبكاء

اقترب منها وما أن هما بإلقاء تحية المساء

 

حتى بادرته قائلة :-

 توقف لا تقترب أكثر

 

كانت تدير له ظهرها 

فتعجب كيف عرفت بأنه خلفها

 والمطر يخفي صوت أقدامه ؟

 

 

قال لها :-

 عفوا لا اقصد أن أؤذيك بشي 

لكن من أنت وما الذي أتى بك هنا

 في هذه الليلة العاصفة الهوجاء؟

 

 

في تلك اللحظة 

أبرقت السماء بشكل متكرر

 لتحيل ذاك الظلام لضياء

 

امرأة ذات قامت طويلة 

وجسد عريض وشعر اسود قصير

 بيضاء كالورقة عذراء

 

لكنه لم يرى وجهها الذي اختفى 

في الجهة الأخرى المقابلة للشجرة الملساء

 

 

قالت له:- أنت الملك أليس كذلك؟

 

ارتعد خوفا ودهشة !

 

آذ كيف لها أن تعرفه و هي لم تراه ؟

 لكنه تماسك أمام هذه المفاجأة 

وتحلى بالشجاعة ليجيبها :-

 نعم أنا هو  من أنت وكيف عرفت بأني الملك؟

 

 

أدارت له وجهها في نفس اللحظة 

التي اشتعلت السماء ببروق لا تتوقف

 و هزيم رعد رددته الجبال بقوة

 

ليراها أول مرة على ضوء البرق 

وتتلعثم شفتاه وترتجف

 و هو يقول :-

 سرا … سرا .. سرابيل ؟؟؟؟

 

 

كانت تقف أمامه حبيبة عمره 

 وسيده أمره 

سرابيل التي أوردته أحواض المنايا

 وحملته وزر الخطايا

 

سرابيل أجمل امرأة في الدنيا 

عشق حياته الذي لا ينتهي ولا يبلى

 

 

وأمام هذه المفاجأة التي شلت كيانه

 ولسان حاله ما الذي أتى بها إلى هنا؟

 سرابيل ليست من هذه البلد فكيف أتت إلى هنا؟

 

 

هما في الارتماء على صدرها شوقا أليها 

متناسيا كل الأسئلة التي تحتاج لإجابات صريحة

 

 

تراجعت سرابيل خطوة للوراء

 لتجنب ما أقدم عليه من تصرف أهوج

 

وقالت له:-

 اسمع يا سيدي ما قد يخفيك

 فالأمر ليس كما تظن


أنا فعلا اسمي سرابيل 

لكني لست سرابيل الإنسية

 أنا قرينتها سرابيل الجنية !

 

 

ارتعد الملك خوفا من هو ما سمع !

 وبدأت الأمور تتضح له 

ويجد تفسيرا لهذا الغموض و ما قد وقع

 

قدمه تسمرت في مكانها 

والخوف يرعب كيانه و يهز وجدانه

 

وبدأت سرابيل بالاسترسال بالحديت قائلة :-

 

أنا لست إنسية أنا جنية

 عشت معك كل حياتك دون أن تراني


في غرفتك وحياتك

 في حلك وترحالك

في لقاءاتك الحميمة مع سرابيل الإنسية


عشت معك طقوس الذل

 والهوان والرفض والنكران


حينما كنت تبكي على سريرك 

كنت على يمينك ابكي معك

 وأشاركك إحزانك


لطالما تمنيتك وعشقتك 

وأردتك لي وحدي 

ولكن حبك لسرابيل الإنسية كبل يدي

 رغم أني قادرة على أن انهيها من الوجود

 بسبب غيرتي المجنونة عليك


لكني ما كنت لأريد هذا

 قبل أن اقتلعها من قلبك

 ليكون حبك لي صادقا 

على أن يكون مبنيا فوق ركام حبها


فقررت أن اقتحم المحظور

 وأن اهجر مملكة الجن لأجلك 

و هذا يا سيدي كلفني الكثير 

فأنا لا استطيع أن أعود مرة أخرى لحياتي وأهلي

 علما بأني أميرة من بنات الجن

ضحيت لأجلك بكل ما املك 

وسرابيل الإنسية لم تضحي بشي لأجلك

 فأنا اعلم بأمرها وأمرك


 

سكتت سرابيل الجنية عن الكلام

 والملك يستمع إليها وقد هاله ما سمع من كلام

 

تلاشى الخوف من نفسه

 واقترب منها يمسح وجهها من المطر

 فشعر بدمعها ايبكي:ى كالدرر يلمع في الظلام

 

قالت له و هي تبكي :-

لقد خسرت كل شي لأني أعشقك 

واستبدلت حياة الأمانة مع بني جنسي

 وخاطرت بالمجيء إليك

أتتزوجني أيها الملك ؟

 

 

ابتسم الملك بعذوبة بالغة وقال:-

 نعم سأتزوجك

 

فكان هذا القرار الذي سيدفع ثمنه أله:نه أو نار

 

 

وقبل أن يضمها و يبدأ العناق قالت له :-

سيدي .. تذكر بأني إنسية الآن

 ولكن لا تنسى من أنا !

سأهبك كل حياتي و وفائي

 وسأصونك في حلك وترحالك 

وسأكون لك وحدك 

ولن تحترق بنيران الغيرة 

التي طالما ألهبتك سرابيل الإنسية 

التي لم تراعي فيك ذمة ولا ضمير

ولن اخرج إلا معك وبأمرك 

واستر وجهي وجسدي 

وكل ما تريده سيكون نافذا تحت سلطة امرك


لكن ….

 

وسكتت

 

ليلمع برق في السماء

 و يرى الملك في وجهها الجميل حزنا 

عظيم وغضب كظيم

 

 

لكن ماذا يا سرابيل؟

 

هكذا استدرك الملك الموقف

 لعل الذي سيأتي من حديث أقل وطأة 

من تلك الملامح الصارمة التي بدت في محياها

 

 

قالت له :-

 إن حدث يوم وخنت حبي وعشقي لك

 وعدت لسرابيل الإنسية

 أو فكرت بها يوما 

سأمسخك إلى مسخ

 وبعدها سأموت فأنا ليس لي وطن بعدك 

 

 

 

وبدأت الأفراح

 والليالي الملاح 

وتزوج الملك بسرابيل الجنية

وأخيرا ملك حب حياته !

 إن كان الحب يا سادة ما يتصوره البعض جمال وجسد

 

 

ومضت السنة الأولى على زواجهما

 و هما ينعما بالحب والسعادة 

فكانت نتيجة هذا الحب والزواج سرابيل طفلة 

كأنها القمر نصفها جنية 

و نصفها إنسية

 

ولأنه يحب سرابيل

 فقد أطلق اسم سرابيل على طفلته أيضا

فكلاهما أصبحا كل حياته

 

 

وتمضي الحياة كما ينبغي لها أن تمضي 

و نسى تماما السر الكبير في حياته

 وان زوجته سرابيل

 وإن تجردت من ماضيها لكنها ستبقى جنية 

 

  نسى كل هذا تماما وعلى سجيته البشرية

 التي جبلت على الخطيئة 

والصواب والذنب والعقاب

 

 

صحيح أن سرابيل الجنية قرينة حبيبته الإنسية

 إلا أن الأرواح مختلفة 

وستبقى من سكنت روحه سرابيل وحدها

 تلك التي ذاق من تحت يديها الذل والهوان 

والغيرة والجحيم 

لذة الحياة عنده تلك القبل والنشوة

 من بعد البكاء العقيم

 

 

ذاب قلب الملك شوقا لحبيبته الإنسية 

فبدا ذلك في حالته العصبية

 

 

حاول جاهدا أن يكتم أشواقه إليها 

ولكن هيهات هيهات أن يلجم مشاعره العشقية

 

 

أخذته قدماه لأطلال حبه الأول 

حيث كان يلتقي سرابيل الإنسية في ليلة دهماء

 محاق قمرها وبرودة ليلة شتوية

 

وجلس وحيدا تعصف به الأشواق لها 

قبل أن تمطر عيناه دموع لسرابيل الحقيقية

 

وفجأة يلتفت خلفه فإذا بسرابيل بجمالها وسحرها 

تقترب منه بهدوء وروية

 

سرابيل حبيتي!

 

 هكذا قال لها وهكذا بادرته ذات التحية

ليتعانقا بشوق ولهفة عشقيه

 

قال لها وهو يضمها 

وقد اختفى وجهها في صدره

 

أنت سرابيل ولا سواك حبيبتي 

احبك وحدك ولن يكون حبا بعدك !

 أتعلمين أي عقاب سأناله أن عرفت سرابيل الجنية؟

 

 

اشتدت الريح فجأة 

وعصفت في تلك الليلة عواصف رعدية

وأمطرت السماء بغزارة

 

 

قالت سرابيل له :-

 نعم اعرف أي عقاب ينتظرك

فأنا لست سرابيل الإنسية !!

 

اسقط في يديه ودفعها بعيدا 

والخوف يسكن عينيه

 

 

فإذا سرابيل تبكي بحرقة وقهر

والغضب في عينها سعير وجمر

 

قالت له :-

لقد خنتني أيها الملك 

ولم تحفظ العهود 

ومضيت تبحث عن حبك القديم

 وتحطم الوعود 

حكمت علي بالرحيل الأبدي

 وعلى نفسك أن تكون مسخا 

ولطبيعتك البشرية لن تعود

 

 

وفي مكان ليس ببعيد 

كانت طفلته سرابيل هناك تحبوا أليه 

حتى وصلت تحت قدمه 

و هي تبكي بكاء شديد

 

فحملها لصدره 

لعلها تكون سبب في أن ينال عطف سرابيل

 أمها و يبدأ معها حياته من جديد

 

 

قالها :-

 اغفري لي خطيئتي لأجلي 

ولأجل طفلتك وطفلتي !

 

 

قالت له :-

منحتك كل شي املكه

 ولم تستطع أن تمنحني الوفاء

حتى طفلتي التي بين يديك سينالها نفس الجزاء

 

 

حركت يديها بحركة لولبيه 

وبدأت في النطق بطلاسم سحرية

وأشارت بأصبعها نحو الملك وسرابيل الطفلة

 التي كانت تمد يديها لأمها ببراءة طفولية

 

 

دوى هزيم رعد قوي

 تبعه برق يخط الأبصار

في نفس اللحظة 

انطلق شعاع من يد سرابيل الجنية

ليحول الملك والطفلة سرابيل

لغرابين

 

 

تنقشع الغيوم  وتتوقف البروق

 والرعود والأمطار

و ينبلج الفجر رويدا رويدا

وتشرق الشمس في المكان

كل شي هادئ هدوء الأموات

 

بيد أنه لا اثر لأحد من البشر

 في ذاك المكان والزمان

سوى طائرين من الغربان

يضم الكبير تحته جناحه غراب صغير

 

 

و هكذا يا سادة انتهت الحكاية

 

إن وجدتما يوما غرابين 

يطيران معا لا يفترقان

 

فخذا العبرة من أنه لا يستحق 

أن يضحي الإنسان لبني الإنسان

 

 

مملكة الجن يا سادة

 لا يضام فيها احد 

ولا يغدر الجان بالجان

 

 

نحن فقط بني البشر 

من لا يرحم بعضنا بعضا

غدرا وخيانة وعصيان

 

 

(( الملك ))