الثلاثاء , يناير 19 2021

(( الأميـرة الخرساء ))

أقصوصة نثرية تحكي حكاية تقع أحداثها بين المسافة التي تفصل جمال الروح وجمال الوجه والجسد في تلك المسافة نفقد الكثير و هذا الكثير كانت روحا تسري في جسد رجلا يراه البعض ميتا واراه حيا وإن مات في النهاية 

 

كان يا مكان في سالف العصر والأوان
كانت هناك أميرة أبدع في خلقها الرحمن
الجمال يخجل من جمالها وينشد فيها الأوطان
من اجلها يهجر النحل الزهور ويقف على خديها بامتنان
وتحوم الفراشات حولها بأشكال وألوان

لكن


لكن جمالها ليس بكامل فقد سلط الله عليها الحرمان
رغم جمالها الذي فيها لكنها كانت مشلولة اللسان
خرساء تماما وكلامها بإشارة بالبنان


ومن اجل هذا تحاشاها كل الأمراء
وكل رجل قال لولا إعاقة اللسان لقبلت منك البنان
لكنك خرساء لا يرجى منك حرفا أو كلمة أو كلمتان
أو حين أضمك سأنال منك آهات تذيب مني الأشجان
أو تقولين اترك يدي إن بالغت في عصر اليدان


وهكذا .. تلاشت أحلام الحب عندها
وضلت عن قلبها وتراكمت عليها مشاعر الحرمان


إلى أن


قررت الذهاب لساحرة تسكن في قمم الجبال
ترتجي منها علاج أو تعويذة سحرية ليكتمل الجمال
حين يعود إليها صوتها وتصبح كغيرها في الحال


وصلت إليها 


مكان مخيف
وكوخ عتيق من خشب خفيف
ونوافذ مغلقة على من فيها وباب نقش عليه رسم جمجمة بشرية


وما أن اقتربت عند الباب حتى إن فتح من تلقاء نفسه
وكأن من بالداخل يعلم بأن الأميرة قادمة فصدق حدسه


دخلت


امرأة عجوز جالسة وبيديها كوره بلورية
وعلى طاولة عاجية كانت هناك كتب سحرية
وقوارير تحوي سوائل ألوانها قرمزية

 


قالت الساحرة :

الأميرة الخرساء 
كنت انتظرك قد تأخرت إلي بالصعود
أظنك قد آتيت تبحثين عن صوتك المفقود
فجمالك بدونه يكاد يكون غير موجود
فالبشر دوما يبحثون في كل شيء عن سر الخلود
أو الكمال اللامحدود


أليس كذلك أيتها الأميرة الخرساء ؟؟

 


أومأت الأميرة بالإيجاب 
وقلبها يرجف خوف وهلع من هذا المكان الغريب
وتلك الساحرة ذات الصوت الخشن والنظر المريب

 

استطرت الساحرة قائله:

سأعيد لك صوتك وأجعلك تتحدثين
فأنت مسحورة منذ كنت طفلة تحبين

لكن هناك شرط يجب أن تعرفين وأن تنفذين
وإلا غاب صوتك للابد ولن ينفعك دواء أو سحر مبين



تساءلت الأميرة بإشارة من يديها ما الشرط الذي يجب أن به أن أتقيد ؟؟

قالت لها الساحرة :

سيتقدم لك الكثيرين 
أمراء وسلاطين
وفرسان ونبلاء وأرستقراطيين
يطلبون الزواج والحب منك بعد أن يعلموا انك بدأت تتحدثين

ارفضيهم كلهم فلا تتزوجين

بل تزوجي اقبح رجل من بين رجال العالمين



ذهلت الأميرة الخرساء
فكيف لها أن تتزوج اقبح رجلا وهي ملاك بين النساء ؟؟


لكنها من فرحتها وافقت بإيمائه من رأسها
ولم تدرك ما القدر يخفي لها


وهكذا بدأت الساحرة بطقوس غريبة
وصالت وجالت بين تلك القوارير السحرية
أخذت من تلك القارورة قطرة ومن تلك القارورة قطرتين
ومزجتهما بقارورة لونها أسود كسواد الكحل في العين


ناولتها القارورة قائلةً : 
هاك خذي واشربي منها جرعتين
وإياك والثالثة فتفقدين حياتك في ثانيتين

 

أخذت الأميرة القارورة بجراءة وإصرار
واجترعت الجرعة الأولى ثم اتبعتها بالثانية 
وهي تشعر بنشوة الانتصار
دقائق قليلة فإذا هي متحدثة الأميرة
أخيرا نطقت وتكلمت بحروف خجولة
فهي لم تعتد على سماع صوتها يوما المسكينة

شكرت الأميرة الساحرة بحرارة بالغة
وبعثرت في حجرها دراهم ذهبية كثيرة

وقبل أن تخرج من عتبة الباب

قالت لها الساحرة:


أيتها الأميرة
لا تنسي الشرط الذي اشترطته وعليه وافقت
إن خالفت الشرط أو نقضته ستعودين خرساء كما كنت


أجابت الأميرة :

لن أنساه ولن اخلف الوعد الذي قطعته

 

وهكذا


شفيت الأميرة من إعاقتها ولم تعد بعد اليوم خرساء
فكتمل حسنها وجمالها فأصبحت أميرة كل النساء

فسمع الأمراء والسلاطين والنبلاء والأرستقراطيين
فأتوا يطلبون يد الأميرة وكل منهم على يقين
بأنه هو من ستختاره الأميرة دون تردد أو شك مبين

لكن الأميرة رفضتهم كلهم بلى استثناء 
فحين كانت ترى حسنهم ووسامتهم ترفضهم
فهي تتذكر العهد الذي قطعته في ذاك المساء
فعجبا لأمرها كيف ترفض الأميرة كل هؤلاء النبلاء ؟

 

إلى أن

تقدم إليها ملك من ارض مجهولة
لا يعرف عنه سوء أنه ملك ذو قوة وهيبة
وأملاك كثيرة
وجيوش عظيمة

فكان شرطه أن تلقاه في المساء
حيث الظلام يغشى الأرض والسماء

فتم له ما أراد ..
في ذاك المساء تلاقيا أول مرة في قاعة حمراء
وقف الملك أمامها تفصله عنها أمتار قليلة
كان يلبس قناع من ذهب ليخفي قبح وجه
ودمامة شكله 

قالت له الأميرة :

أيها الملك العظيم 
ما بال القناع يخفي وجهك أم تراك رجلا دميم
انزعه لأراك فقد راق لي ما سمعت عنك
وأظنك أتيت لأمر عظيم

 

قال الملك:-


أيتها الأميرة أنا رجلا دميم قبيح قبح عظيم
لذا اخفي وجهي تحت هذا القناع رحمة بك فأنا رجل رحيم

أن شئت فأحبي دماثة خلقي وطيبة قلبي وحناني
فهو عندي كالنهر يجري ليل نهار
الجمال والحسن ينتهي مع الأيام
وتبقى حسن الخصال 
فلا تطلبي نزع القناع مهما صار


قالت الأميرة :

قد قبلتك زوجا

 

انتهت مراسيم الزواج 
ورحل الملك بالأميرة إلى قصره

في قصره

كان الملك يراهن على طيبة قلبه في كسب قلب الأميرة
فجعل كل ما يملكه من حب وحنان نهرا يرويها بصمت وحيرة

يترك الملك القصر في الفجر ولا يعود إليه إلا في المساء
لكي لا تراه نهارا إن نزع القناع لكي يشرب كأس من ماء
وحين يحين وقت العشاء
كان يتخذ ركنا منزويا في طاولة تضيئها شموع حمراء
تضيء جهتها هي وفي ركنه يحل ظلام لا ترى فيه وجهه دون القناع

مضت الأيام 

كانت الأميرة ذات مرة تتأمل سحرها في مرآتها

قالت : 
يا لي من جميلة كيف أتزوج رجلا قبيحا كزوجي هذا
آه لو لم اعد تلك الساحرة بالزواج من اقبح رجل
لكنت الآن زوجة أمير أو ملك وسيم انعم معه بالحب والنعيم

في لحظة مجنونة 
نسيت عهدها ومواثيق عظيمة
وقررت أمراً 

انتظرت الملك القبيح 
في ليلة تحول سوادها بلون الدماء
فقد قررت عهدها تستبيح

وما أن اقترب الليل من منتصفه 
حتى قالت له وهو جالس في ركنه المظلم

أني أكرهك أيها الرجل القبيح
لقد تحملتك طوال هذه الفترة على أمل أن تتركني 
وتيئس من أن احبك يوما
ألا ترى أني لا أطيق لوجهك نظرا 
لا ولا يعجبني فيك شيء صريح !

ما أنت إلا جسدا ميتا من الجمال 
ورأس مالك قلب محب وخلق كريم

ما عادت تطربني تلك الخصال 
إني ابحث عن الحسن والجمال
فكيف أهبك نفسي وأنت في قبحك ليس لك مثيل بين الرجال

سأرحل في الصباح واترك لك القصر وكل المال
أنا أميرة قد فاق حسني كل وصف واحتار بي واصفوا الجمال



على ضوء تلك تلك الشمعة الحمراء
ترى دمعة سالت من عين الملك لتسقط بجانب صحن الحساء
تتبعها دمعة أخرى تعانق أختها على طاولة ملساء
في ذاك المساء انهارت السماء وأمطرت الدموع بسخاء

لأول مرة ترى دموع الملك لكنها لا ترى وجهـــــه 
فثمة ضوء يضيء سطح الطاولة ولا يضيء وجهه

لا تكترث لأمره 
لا ولا يرق قلبها لدمعه

تنسحب من القاعة 
لتدخل مخدعها لتنام
على أن في الصباح تغادر القصر وتنتهي الآلام 

في الصباح


تستيقظ الأميرة

تلملم بعض من أشياء تحتاجها
وجدت ورقة مكتوب عليها بالدماء
كلمة احبك وضعت بجانب سريرها

تأخذها تمزقها .. تنثرها أشلاء

وتغادر غرفتها

وما أن تطأ رجليها حديقة القصر
تصاب بالذهول

كل الورود والزهور قد آلت إلى ذبول
كل شيء في الحديقة ذابل تماما
والموت ينتشر في أرجاء الحديقة
فلم تسلم منه حتى الطيور

اسقط في يديها
ما الذي يجري هنا ؟؟

لماذا كل شيء ميت هنا ؟؟

تمضي بين الزهور الميتة

فجأة

تتعثر بجثة رجل

تصرخ

ثم

تتفاجىء بأن الجثة هي للملك القبيح
زوجها الذي قررت أن تهجره ودمه تستبيح

كان الملك ساقطا على وجه
دون ذاك القناع الذي يستر قبحه


تدخل يديها تحته
تقلبه إليها لترى وجهه


فتصعق


كل الملك فلقة من قمر
من اجمل ما خلق الله من بني البشر
لكنه أخفى وجهه وادعى القبح لكي تعشق روحه
قبل أن تعشق فيه جماله وحسنه الذي فاق وصف البشر


حاولت أن تصرخ حسرة عليه

لكنها وبكل أسف

لم تستطع

فقد فقدت صوتها للأبد هذه المرة

للأبد 

 

 

 

 

 

 


(( الملك ))