الثلاثاء , يناير 19 2021

(( مــوت و ميــلاد ))

[ قصة واقعية ]

قبل أربعون عاما تزوجها
حين ملك بلطفه وحسن خلقه قلبها
كذلك هي ملكت كيانه بحبها وحسن جمالها
فأتم الله لهم بحسن نيتهم السعادة كلها

مضت السنة الأولى على زواجهم
دون نكد ينغص عليهم أو حزن يلفها
ولكن الحياة دوما لا تعطي السعادة
دون أن تعصر الإنسان بظلمها
أو تفرش الورود في كل دروب
كتب على الإنسان أن يمشها

في السنة الثانية ألهبت مشاعر الأبوة قلبه
دون أن يظهر الحزن لها
فزوجته لم يكتب الله لها
أن تحمل بطفله وطفلها
لكن لا احد يستطيع أن يداري الحزن عن زوجته
وخصوصا إن كان يحبها
فشعرت بحزنه يوما
حين رأته قد اخذ وسادة كالطفل يضمها
فبكت حزن عليه وقررت أن تصارحه بأمرها
وكيف هي تشعر بحزنه و يتقطع قلبها
قالت له :-
زوجي العزيز
اعلم بما تشعر به من حزن
على هذا الحالة التي نمر بها
وأنك تحترق كل يوما لتكون أبا
ولكن الله لم يمنحنا هذا
أقدار بعلم الغيب أسبابها
قال لها :-
لا عليك زوجتي العزيزة
أحزان تذهب وتأتي
يكفي أني حظيت بحبك
و وجودك في حياتي يساوي الدنيا كلها
فسكتت و هي تدرك بأن هذا المشاعر
تخفي براكين أبوة خامدة تحتها

ومضت سنين خمس
والحال كما هو سعادة منقوصة من كمالها
في ذات يوم رأته خفية
يضم ابن الجيران وكأنه ابنه وابنها
والأبوة تتصبب من عينيه دموعا
ترطب كتف الصغير دون أن يعرف سرها
فبكت حزنا عليه ولكن ليس الأمر بيدها
وفي صباح اليوم التالي
قررا أن يذهبا لطبيب ليجد لهم دواء
أو يخبرهما بالحقيقة التي خافوا دوما من مواجهتها
وبعد فحوص طبية دموية
ومخبريه وأخرى سريريه
أتت النتائج على لسان الطبيب الذي صمت دقائق حزنا
و هو يرى وجهها و وجه
وقد سكنهم الخوف من النتائج المخفية
قال الطبيب:-
يؤسفني أن أخبركم بأنه لا مجال أبدا لأن ترزقوا بالأطفال
فأنت يا سيدتي كتب عليك أن تكوني عاقرا مادمت حية
وزوجك لا عيب فيه
العيب فيك أنت هذه الحقيقة الجلية
فأجهشت بالبكاء على كتف زوجها
الذي مات ألف مرة دون أن يشعر به احد
بعد أن عرف الحقيقة المأسوية

ومضت سنين عشر
وهما يكابدان أحزانهم بآمال عنقائية
ومشاعر الأبوة والأمومة
تنهش في أرواحهم بقسوة وعصبية
إلى أن نفذ صبرها أمام ما تراه من صبر زوجها
على حرمانها له من مشاعره الأبوية
فقالت له :-
تزوج غيري
قد سمحت لك بأن تطعن فؤادي
بخناجر شريكة أنثوية
تزوج وأنجب منها عشر من الأبناء
يعوضونك عن سنين أضعتها مع عاقر أبدية
من حقك أن تطفئ لهيب مشاعر الشوق
لأن تكون أبا وتكون لك ذرية
بكت كثيرا وسقطت عن قدميه
تحرقها مشاعر الغيرة والأنانية

فأخذها وقوفا وضمها إليه قائلا :-
لأجل قدسية الزواج كنت لي جسدا
وكنت لك سترا لحياتك الجسدية
لأجلي تعريتي أمامي
وما كنت لتفعلين أمام من تربطك بهم روابط أخوية
لعمري ما خنتك أبدا
ولن افعل وإن كان شرع الله يمنحني هذه الحرية

وتمضي العقود
عقد يجر عقد
وتبدوا ملامح الشيب في وجهه
وملامحها يغزوها تجاعيد جسدية
تنقضي ثلاثون عاما
و هما يسطران للوفاء قصة أسطورية
لأجلها احتمل أن يعيش وحيدا
وإن تقطع فؤاده كلما رأى أطفال
يلعبون في الشوارع الخلفية
أو سمع بكاء رضيع يطلب جوعا حلمات أمه الوردية

وحدث أن وقع زلزال في وطنهما
فمات الكثير من البرية
فخرج هذا الرجل يتفقد أحوال الناس
بعد هذه الهزة الأرضية
وعند ببت مهدم سمع بكاء طفلا
تحت أنقاض ركامية
فمضى في إزاحة الأحجار
والتراب من بين أنقاض حجرية
فبدا له جسده الصغير
وهو سليم من أي خدوش أو جروح جسدية
وأمه وأباه ميتان بجانبه
بعد أن سقطت عليهم أكوام صخرية
فحمله إلى صدره وضمه إليه بمشاعر أبوية
ومضى به إلى بيته والطفل قد سكت
بعد أن شعر بالأمان ونام بين يديه بعفوية

وما أن دخل بيته حتى سارعت زوجته إليه
وتفاجئت بالطفل النائم بين يديه فقال لها:-
مات أباه وأمه بسبب الزلزال
وقد قررت أن اتخذه لنا ولد
هذه الأقدار وما أهدانا الله لنا من هدية
أخذته من يديه وضمته إليها
والدموع أمطار تجري من عينيها
كسماء فتحت أبوابها في ليلة شتوية

أربعون عاما الآن مضت
والطفل بلغ عامه العاشر
دون أ ن يعرف الحقيقة المخفية

يوم الخميس الماضي
رأيت الأب والطفل في القرية العالمية

و هذا ما حكاه لي احمد عنهم
فأنا لا اعرفه من قبل أو أجتمعنا يوما قبل هذه الليلة الشتوية
سوى أني إنسان شعرت به
فسطرت قصته هنا
لمجرد أنه تجري بدمي مشاعر أبوية

(( الملك ))